يوسف المرعشلي
1301
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وإني حضرت بمجلسه غير مرة ، فألفيته صبيح الوجه ، أسود العينين ، نافذ اللحظ ، خفيف العارضين ، مسترسل الشعر ، ذكيّا فطنا ، حاد الذهن ، عفيف النفس ، رقيق الجانب ، خطيبا مصقعا ، متبحرا في العلوم معقولا ومنقولا ، مطلعا على دقائق الشرع وغوامضه ، تبحّر في العلوم ، وتحرّى في نقل الأحكام ، وحرّر المسائل ، وانفرد في الهند بعلم الفتوى ، فسارت بذكره الركبان ، بحيث إن علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته . وله في الأصول والفروع قوة كاملة ، وقدرة شاملة ، وفضيلة تامة ، وإحاطة عامة ، وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره ، وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجرت المباحثة في فن من فنون العلم لا يتكلم قط ، بل ينظر إليهم ساكتا ، فيرجعون إليه بعد ذلك ، فيتكلم بكلام يقبله الجميع ويقنع به كل سامع ، وكان هذا دأبه على مرور الأيام ، لا يعتريه الطيش والخفة في شيء كائنا ما كان ، والحاصل أنه كان من عجائب الزمن ومن محاسن الهند ، وكان الثناء عليه كلمة إجماع ، والاعتراف بفضله ليس فيه نزاع . وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول ، ولكنه كان غير متعصب في المذهب ، يتتبع الدليل ويترك التقليد إذا وجد في مسألة نصا صريحا مخالفا للمذهب ، قال في كتابه « النافع الكبير » : ومن منحه ( أي منح اللّه سبحانه ) أني رزقت التوجّه إلى فن الحديث وفقه الحديث ، ولا أعتمد على مسألة ما لم يوجد أصلها من حديث أو آية ، وما كان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه ، وأظن المجتهد فيه معذورا بل مأجورا ، ولكني لست ممن يشوّش العوام الذين هم كالأنعام ، بل أتكلم مع الناس على قدر عقولهم - انتهى ، وقال بعيد ذلك : ومن منحه أنه جعلني سالكا بين الإفراط والتفريط ، لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يدي إلا ألهمت الطريق الوسطى فيها ، ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية ، ولا ممن يطعن عليهم ويهجر الفقه بالكلية - انتهى ، وقال في « الفوائد البهية » في ترجمة عصام بن يوسف : ويعلم أيضا أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه بقوة دليل خلافا لا يخرج به عن ربقة التقليد ، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد ، ألا ترى أن عصام بن يوسف ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ، ومع ذلك هو معدود في الحنفية ، ويؤيده ما حكاه أصحاب الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف يوما الشافعي في طهارة القلتين ، وإلى اللّه المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها ، ويخرجونه عن مقلديه ، ولا عجب منهم ، فإنهم من العوام ، إنما العجب ممن يتشبه بالعلماء ويمشي مشيهم كالأنعام - انتهى . وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصيرته في الفقه له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار وفنون الحكمية ، وكان ذا عناية تامة بالمناظرة ، ينبّه كثيرا في مصنفاته على أغلاط العلماء ، ولذلك جرت بينه وبين العلامة عبد الحق بن فضل حق الخيرآبادي مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ غلام يحيى على « مير زاهد رساله » ، وكان الشيخ عبد الحق يأنف من مناظرته ، ويريد أن لا يذاع رده عليه ، وكذلك جرت بينه وبين السيد صديق حسن الحسيني القنوجي فيما ضبط السيد في « إتحاف النبلاء » وغيره من وفيات الأعلام نقلا عن « كشف الظنون » وغيره ، وانجرت إلى ما تأباه الفطرة السليمة ، ومع ذلك لما توفي الشيخ عبد الحي المترجم له تأسّف بموته تأسّفا شديدا ، وما أكل الطعام في تلك الليلة ، وصلى عليه صلاة الغيبة ، نظرا إلى سعة اطلاعه في العلوم والمسائل ، وكذلك جرت بينه وبين العلامة محمد بشير السهسواني في مسألة شد الرحل لزيارة النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومن مصنفاته في علم الصرف : « التبيان شرح الميزان » ، و « تكملة الميزان وشرحه » ، و « امتحان الطلبة في الصيغ المشكلة » ، ورسالة أخرى سماها « چارگل » . وفي النحو : « خير الكلام في تصحيح كلام الملوك ملوك الكلام » ، و « إزالة الجمد عن إعراب أكمل الحمد » . وفي المناظرة : « الهدية المختارية شرح الرسالة العضدية » . وفي المنطق والحكمة : « هداية الورى إلى سواء الهدى » ، و « مصباح الدجى في لواء الهدى » ، و « علم